يعرب التحالف السوداني للحقوق عن بالغ القلق إزاء التحقيق الذي نشرته صحيفة واشنطن بوست في 5 سبتمبر 2026، والذي يقدم مواد وثائقية واسعة النطاق تزعم أن عناصر من القوات المسلحة السودانية طوّرت وأنتجت وخزّنت أسلحة كيميائية تعتمد على الكلور خلال الحرب المستمرة في السودان.
ويأتي هذا التحقيق في سياق مخاوف أثارها التحالف مراراً على مدى أكثر من عام. وهذه ليست المرة الأولى التي يحذر فيها التحالف من الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين في السودان.
ففي يناير 2025، أدان التحالف علناً التقارير التي أفادت باستخدام أسلحة كيميائية في عدة مناطق من السودان، ودعا إلى إجراء تحقيق مستقل، مشدداً على أن استخدام الأسلحة الكيميائية يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي ولاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وواصل التحالف بعد ذلك إثارة هذه المخاوف من خلال آليات المساءلة الإقليمية والدولية، داعياً منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى تقديم المساعدة التقنية وإجراء تحقيق مستقل، وإلى إشراك آليات حقوق الإنسان والمساءلة ذات الصلة.
وفي نوفمبر 2025، رحب التحالف بمزيد من التقارير الاستقصائية بشأن الاستخدام المزعوم لغاز الكلور في محيط الخرطوم، وجدد دعوته إلى إجراء تحقيق مستقل. وفي مارس 2026، أثار التحالف مجدداً مخاوف في أعقاب تقارير استقصائية أخرى بشأن الاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية، وشدد على الحاجة إلى المساءلة الدولية.
وعليه، فإن الأدلة الجديدة التي أوردتها صحيفة واشنطن بوست تعزز المخاوف التي ظل التحالف والمجتمع المدني السوداني يثيرانها باستمرار طوال فترة النزاع.
ووفقاً للتحقيق، تشير مجموعة كبيرة من الوثائق والصور ومقاطع الفيديو والرسائل والتسجيلات الصوتية، بحسب ما يُزعم، إلى وجود برنامج للأسلحة الكيميائية يشمل إنتاج ذخائر تعتمد على الكلور وتخزينها. وقد راجع هذه المواد خبراء في الأسلحة الكيميائية ومسؤولون استخباراتيون ومتخصصون في حقوق الإنسان، وخلصوا، وفقاً للتقرير، إلى أنها تشكل أدلة ذات مصداقية على وجود برنامج للأسلحة الكيميائية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن التحقق الحاسم منها يتطلب الوصول إلى المواقع المعنية والشهود.
ويشدد التحالف على أن هذه الادعاءات يجب أن تخضع الآن لتحقيق مستقل ونزيه يتسم بالصرامة العلمية. ولا ينبغي رفض الأدلة الواردة في التقارير أو التعامل معها باعتبارها حقائق مثبتة بصورة قاطعة من دون إجراء التحقق اللازم. غير أنه يجب التعامل معها بالجدية التي تقتضيها طبيعة هذه الادعاءات.
إن التطوير والإنتاج والتخزين والاستخدام المزعوم للأسلحة الكيميائية من شأنه أن يشكل انتهاكاً بالغ الخطورة للقانون الدولي.
وقد وقّع السودان على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية في عام 1999. وتنص الاتفاقية على حظر شامل للأسلحة الكيميائية، وتُلزم الدول الأطراف بألا تقوم، تحت أي ظرف من الظروف، بتطوير الأسلحة الكيميائية أو إنتاجها أو حيازتها أو تخزينها أو الاحتفاظ بها أو استخدامها. كما تلزم بتدمير الأسلحة الكيميائية ومنشآت إنتاجها ذات الصلة، وتنص على التحقق والتفتيش الدوليين من خلال منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.
وعليه، فإن أهمية هذه الادعاءات تتجاوز سلوك الهجمات الفردية. فإذا تم التحقق منها، فإن تطوير برنامج للأسلحة الكيميائية والحفاظ عليه سيشكل في حد ذاته انتهاكاً لالتزامات السودان بموجب اتفاقية حظرالأسلحة الكيميائية، في حين أن استخدام هذه الأسلحة سيشكل انتهاكاً إضافياً بالغ الخطورة على نحو استثنائي.
إن الأسلحة الكيميائية محظورة بسبب آثارها السامة بطبيعتها وقدرتها على إحداث إصابات بالغة ومعاناة ممتدة والوفاة. والكلور، وإن كان يُستخدم بصورة مشروعة في معالجة المياه وغيرها من الأغراض السلمية، يصبح سلاحاً كيميائياً عندما يُستخدم كسلاح. كما أن الأدلة المبلّغ عنها التي تشير إلى احتمال تحويل الكلور المخصص لمعالجة المياه للأغراض المدنية إلى استخدامات عسكرية تجعل هذه الادعاءات مثيرة للقلق بصورة خاصة.
كما أن استخدام الأسلحة الكيميائية في نزاع مسلح يخضع لأحكام القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك القواعد الأساسية التي تحكم سير الأعمال العدائية. ولا يجوز قانوناً توجيه الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين أو الأعيان المدنية، كما يثير استخدامها مخاوف جدية في إطار الحظر المفروض على الهجمات العشوائية وعلى أساليب أو وسائل الحرب التي تسبب معاناة غير ضرورية.
وحيثما تُستخدم الأسلحة الكيميائية عمداً ضد المدنيين، أو يشكل استخدامها جزءاً من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد سكان مدنيين، فقد يرقى هذا السلوك أيضاً إلى جرائم دولية، بما في ذلك جرائم الحرب، وكذلك، بحسب الظروف وتوافر العناصر اللازمة لإثباتها، الجرائم ضد الإنسانية.
وتتفاقم خطورة هذه الادعاءات بالنظر إلى السياق الذي تنشأ فيه. فقد عانى المدنيون السودانيون سلفاً من عمليات قتل جماعي، ونزوح قسري، وهجمات على المستشفيات وغيرها من البنية التحتية المدنية، والمجاعة، والعنف الجنسي، والدمار واسع النطاق. وإن الاستخدام المزعوم للمواد الكيميائية السامة ضد أشخاص محاصرين أصلاً في المناطق المتضررة من النزاع من شأنه أن يمثل تصعيداً مفرطاً للضرر الواقع على المدنيين.
وقد أكد التحالف مراراً أن التوثيق ليس سوى الخطوة الأولى. ويجب أن تفضي الأدلة إلى التحقيق وتحديد المسؤولية والمساءلة.
ويُظهر التحقيق الأخير بوضوح سبب الحاجة الملحة إلى التحقق المستقل. فقد نشرت صحيفة واشنطن بوست أدلة على إنتاج ذخائر كيميائية واختبارها وتخزينها، وعلى مناقشات بشأن أهداف محتملة، بما في ذلك مواد تشير إلى جهود لإخفاء أدلة على استخدام الأسلحة الكيميائية. كما أفاد التحقيق بأن خبراء في الأدلة الجنائية لم يجدوا مؤشرات على التلاعب بالصور ومقاطع الفيديو والمواد الصوتية الرئيسية، إلا أن ذلك لا يثبت في حد ذاته هوية الأسلحة أو استخدامها أو مسؤولية أفراد بعينهم.
وعليه، يدعو التحالف إلى إجراء تحقيق مستقل ونزيه يتسم بالصرامة التقنية في الادعاءات المتعلقة بتطوير الأسلحة الكيميائية وإنتاجها وتخزينها واستخدامها في السودان. ونحث منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والدول الأطراف فيها على الانخراط بصورة عاجلة لإثبات الوقائع وتحديد الآليات المناسبة للتحقيق والتحقق. كما يدعو التحالف حكومة الأمر الواقع في السودان إلى التعاون الكامل مع هذه الجهود، وتيسير الوصول دون عوائق إلى المواقع المعنية والشهود والسجلات وغيرها من الأدلة.
كذلك يحث التحالف على الحفاظ الفوري على جميع الأدلة المحتملة، بما في ذلك مخلفات الذخائر والعينات البيئية والسجلات الطبية والصور ومقاطع الفيديو وصور الأقمار الصناعية والاتصالات وشهادات الناجين. ويجب حماية الناجين والشهود والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين يوثقون ادعاءات استخدام الأسلحة الكيميائية من الترهيب والانتقام وغيره من أشكال الأعمال الانتقامية.
ويجب أن يحدد التحقيق التسلسل الكامل للقيادة والمسؤولية الفردية، بما في ذلك أدوار من أصدروا الأوامر أو أجازوا أو سهّلوا أو موّلوا أو شاركوا في البرنامج المزعوم أو استخدامه. ويجب محاسبة الأفراد الذين تثبت مسؤوليتهم بموجب القانون الدولي والوطني المعمول به عن انتهاكات الأسلحة الكيميائية وأي جرائم دولية خطيرة أخرى يتم إثباتها من خلال تحقيقات موثوقة. كما يجب اتخاذ تدابير عاجلة لمنع مواصلة تطوير الأسلحة الكيميائية أو إنتاجها أو حيازتها أو تخزينها أو استخدامها في السودان.
ويدعو التحالف كذلك الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، والمحكمة الجنائية الدولية، والدول الأطراف في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، والسلطات الوطنية ذات الصلة إلى ضمان الحفاظ على الأدلة الموثوقة المتعلقة بادعاءات الأسلحة الكيميائية وإدماجها في عمليات المساءلة المناسبة.
ويجب على المجتمع الدولي أيضاً أن يدرك أن البرنامج المزعوم للأسلحة الكيميائية لا يمكن دراسته بمعزل عن النمط الأوسع للهجمات على المدنيين. وتُظهر النتائج الأخيرة للأمم المتحدة بشأن استخدام الأسلحة المتطورة والطائرات المسيّرة في هجمات أودت بحياة مدنيين وألحقت أضراراً بالبنية التحتية المدنية الحاجة الملحة إلى تعزيز التحقيقات في الوسائل والأساليب المستخدمة في حرب السودان.
على مدى أكثر من ثلاث سنوات، تحمّل المدنيون السودانيون العواقب المدمرة لهذه الحرب. ولا يمكن توقّع أن يتحملوا عبء الإفلات من العقاب.
لقد دقّ التحالف ناقوس الخطر مراراً. وتحدث الناجون والمجتمعات السودانية. ووثق المدافعون عن حقوق الإنسان والصحفيون الأدلة. وأثار خبراء دوليون مخاوف جدية. ويضيف التحقيق الأخير إلى مجموعة متنامية سلفاً من المعلومات التي تتطلب تدقيقاً مستقلاً وعاجلاً.
لقد ولّى زمن الاكتفاء بالإقرار. والمطلوب الآن هو التحقيق والتحقق والمساءلة.
ولا يمكن تبرير الأسلحة الكيميائية، ولا يجوز تطبيع استخدامها، ولا ينبغي أن يفلت المسؤولون عنها من العقاب.
التحالف السوداني للحقوق
7 سبتمبر 2026
