Skip to content Skip to footer

الاضطهاد المنهجي في السودان: اعتقالات ، ومحاكمات ، وانتهاكات لحقوق الإنسان

نظرة عامة:

منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، شهدت البلاد مستويات غير مسبوقة من العنف وعدم الاستقرار. وقد أدى النزاع الناجم عن صراعات القوة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى دفع البلاد إلى حالة من الفوضى، مما أثر على ملايين المدنيين. وفي خضم هذا الاضطراب، بدأ الجيش السودانى سلسلة من المحاكمات العسكرية التي تستهدف المدنيين بتهم التعاون مع قوات الدعم السريع. وتتميز هذه المحاكمات، التي غالبًا ما تُجرى في محاكم استثنائية تفتقر إلى الشفافية والإجراءات القانونية الواجبة، بالتحيز القبلي والجهوي الذي يؤدي إلى تفاقم الانقسامات القائمة في البلاد.

لهذه الممارسات تداعيات بعيدة المدى، إذ تعيق تعزيز التماسك الاجتماعي وتديم مناخ الخوف والقمع. فقد تعرض أفراد من المناطق المهمشة مثل دارفور، وجبال النوبة، وكردفان، بالإضافة إلى الناشطين السياسيين والطلاب والمدنيين العاديين، للاعتقال التعسفي والتعذيب ، والأحكام الجائرة.

يتناول هذا التقرير قضايا الاعتقالات والمحاكمات والانتهاكات الموثقة والمستمرة لحقوق الإنسان ، ويقدم تحليلاً شاملاً للمشاكل الهيكلية التي تسهم في استمرار هذه الممارسات. كما يسلط الضوء على التأثيرات الأوسع على النسيج الاجتماعي والسياسي في السودان، مع التأكيد على الحاجة الملحة للمساءلة والإصلاح.

اعتقالات ومحاكمات: استهداف المدنيين:

يجري الجيش السودانى محاكمات عسكرية تستهدف المواطنين السودانيين، رجالاً ونساءً، بحجة التعاون مع قوات الدعم السريع. وتشوب هذه المحاكمات الطابع القبلي والجهوي كما وتبدو كوسيلة لتصفية الحسابات مع من يرفضون استمرار الحرب وبعض من زعماء الإدارات الأهلية. كما استهدفت الاعتقالات الطلاب المسافرين من أقاليم بعينها للجلوس للامتحانات في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني.

ووفقاً لبيان صادر عن محامو الطوارئ، وهي مجموعة حقوقية، قامت السلطات الأمنية في بورتسودان باعتقال المدافع عن حقوق الإنسان منتصر عبدالله، وأحضرته  أمام قاضٍ بمقر السلطة القضائية بولاية البحر الأحمر. وحالياً يقبع في سجن بورتسودان أكثر من 300 سجين يواجهون أحكاماً بالإعدام بناءً على تهم ملفقة وإجراءات قضائية غير عادلة.

وفي بيان آخر، قال محامو الطوارئ إن الخلية الأمنية في ولاية القضارف بشرق السودان، والتي تشرف عليها الفرقة الثانية مشاة التابعة للجيش السوداني، استهدفت المدنيين على أسس عرقية. ووفقاً للبيان تتكون الخلية الأمنية من قوات مرتبطة بالاستخبارات التابعة للفرقة الثانية مشاة، وجهاز المخابرات العامة، وقوات الشرطة، وبعض القضاة والمدعين العامين الذين تربطهم علاقات مع الأجهزة الأمنية.

في يونيو 2024، تم احتجاز 120 مدنيًا بشكل تعسفي في محلية الشوك بولاية القضارف تحت ذريعة التعاون مع قوات الدعم السريع بسبب خلفيتهم القبلية من غرب السودان. وتم نقل بعضهم إلى قسم شرطة القضارف حيث يواجهون تهمًا قد تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام.

 وأدانت مجموعة محامو الطوارئ هذه الممارسات، التي قالت إنها خلقت توتراً متصاعداً وشكلّت تهديداً للسلم الاجتماعي، متهمة المؤسسات القضائية بالتواطؤ في مثل هذه الانتهاكات.

وامتدت حملة القمع التي تشنها الحكومة السودانية لتطال الطلاب والشباب، الذين يُعدون من الفئات الأكثر تعرضًا للاعتقالات والتوقيفات التعسفية. وقد أدت هذه الأعمال إلى تعطيل التعليم وتعريض مستقبل عدد لا يحصى من الشباب السودانيين للخطر، مما يعكس استراتيجية أوسع للقمع السياسي تهدف إلى إسكات المعارضة والحفاظ على السيطرة عبر نشر الخوف.

تم استهداف الطلاب الذين يسافرون لأداء الامتحانات بشكل خاص، حيث وُجهت إليهم تهم التعاون مع قوات الدعم السريع بناءً على انتماءاتهم القبلية أو الجهوية فقط. وأصبحت المساعي التعليمية محفوفة بالمخاطر، حيث تتعرض أحلام وطموحات الشباب السودانيين للتقويض بسبب الاعتقالات والأحكام القاسية.

• حُكم على عمر أحمد عبد الهادي، طالب من قبيلة الحمر في ولاية كردفان، بالسجن لمدة خمس سنوات بعد اعتقاله لدى وصوله إلى مدينة القولد بالولاية الشمالية وذلك بعد اتهامه بالتعاون مع قوات الدعم السريع أثناء سفره للجلوس لامتحانات الشهادة السودانية.

• مصعب يحيى، طالب الطب البيطري من مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور، تم اعتقاله في مدينة الفاو بولاية القضارف، أثناء توجهه لأداء امتحانات الجامعة. ولا يزال محتجزًا بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، مما حال دون قدرته على إكمال دراسته.

• في ولاية كسلا، اعتقلت القوات الأمنية العديد من أفراد قبيلة الحلاوين بتهم مشابهة. وقد تم الحكم على العديد منهم بالسجن المؤبد أو بالإعدام دون أن يتاح لهم حق الحصول على تمثيل قانوني. وكان من بين هؤلاء الشاب عمر صديق، الذي صدر ضده حكم بالإعدام في محاكمة نالت انتقادات واسعة بسبب افتقارها للإجراءات القانونية السليمة.

توضح هذه الحالات كيف يواجه الشباب السوداني قمعًا منهجيًا، حيث يتم التضحية بمستقبلهم التعليمي والمهني من أجل نظام يسعى للحفاظ على قبضته على السلطة. وتمثل الاعتقالات والأحكام القاسية على الطلاب تآكلًا مأساويًا للفرص، مما يزيد من معاناة جيل يعاني سلفاً من صعوبات الحرب وعدم الاستقرار.

إجراءات خارج نطاق القضاء ووفيات أثناء الاحتجاز:

لقد برزت عمليات القتل خارج نطاق القضاء والوفيات أثناء الاحتجاز كظاهرة مقلقة في السودان، مما يعكس تجاهل السلطات الصارخ للعدالة وحقوق الإنسان. يتم تنفيذ الإعدامات الجماعية، مثل تلك التي تم الإبلاغ عنها في منطقة الحلفايا وولاية كسلا، دون محاكمة أو إجراءات قانونية، وغالبًا ما تستهدف أشخاصًا متهمين بالتعاون مع قوات الدعم السريع. كذلك غالبًا ما تكون هذه الإجراءات مدفوعة بدوافع عرقية، مما يؤدي إلى تفاقم التوترات القبلية والجهوية القائمة.

إن التعذيب الوحشي الذي تعرض له زعيم حزب المؤتمر السوداني في ولاية الجزيرة في 17 أبريل 2024 ووفاته لاحقًا يسلط الضوء على أساليب النظام القمعية. فقد تم اعتقاله من قبل أفراد المخابرات بتهم التعاون، وتوفي بعد 19 يومًا تحت التعذيب. كذلك، حكمت محكمة عطبرة على الدر حامد حمدون بالإعدام بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، رغم أن محكمة الاستئناف ألغت الحكم لاحقًا.

باتت المحاكمات الميدانية تُستخدم بشكل متزايد كأدوات للقمع السياسي. على سبيل المثال، في بورتسودان، حكمت محكمة مكافحة الإرهاب على أمل محمد حسين بالإعدام بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع. كما تم توثيق محاكمات مماثلة في القضارف وغيرها من الولايات، حيث يتم تقويض العدالة، وكثيراً ما تكون الأحكام مسبقة.

وتسلط حالات الوفاة في أماكن الاحتجاز المزيد من الضوء على الانتهاكات الممنهجة. ففي الكدرو، توفي رضوان صالح رضوان تحت التعذيب في مركز احتجاز تديره سلاح الأسلحة. وفي سنجة، تعرض أبشر آدم أبشر، وهو زعيم محلي من منطقة الرماش، للتعذيب حتى الموت في مركز احتجاز للجيش. وفي كسلا، قُتل الشاب الأمين محمد نور، من قبيلة البني عامر، أثناء احتجازه من قبل جهاز المخابرات بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع. وتوضح هذه الحالات استخدام الحكومة للتعذيب والإعدام كأدوات للقمع والسيطرة.

تترتب على هذه الأفعال تداعيات عميقة. اذ تزرع الخوف في نفوس السكان، مما يساهم في إسكات المعارضة وقمعها. وتُترك أسر الضحايا بلا أي سبيل للعدالة، مما يؤجج الغضب والاستياء والمزيد من الانقسام. كذلك تتعرض المجتمعات للزعزعة، وتتآكل الثقة في قدرة الحكومة على ضمان العدالة. وتقود هذه الدائرة من العنف الى تعميق الخلافات العرقية والجهوية والسياسية، واستمرار الاضطرابات وتمزيق النسيج الاجتماعي في السودان.

إن اعتماد حكومة الامر الواقع فى بورتسودان على الإجراءات خارج نطاق القضاء يقوض شرعيتها داخليًا ودوليًا، مما يعكس الحاجة الملحة للمسائلة والإصلاح. وفي غياب التدخل، ستستمر هذه الإجراءات في استقطاب الأمة ومفاقمة الأزمة الإنسانية.

انتهاكات الإجراءات القانونية: الحرمان من المحاكمات العادلة :

لطالما فشل القضاء السوداني في الحفاظ على معايير المحاكمات العادلة، مما يعكس الظلم المنهجي الذي يستهدف بشكل غير متناسب الفئات المهمشة والأفراد من خلفيات مناطقية أو قبلية بعينها. المحاكم الاستثنائية، التي تُستخدم في الغالب لمحاكمات ذات دوافع سياسية، تفتقر إلى الشفافية والنزاهة والالتزام بالإجراءات القانونية الواجبة. كما تحرم هذه المحاكم المحتجزين من حق الحصول على التمثيل القانوني المناسب، مما يعرضهم لإجراءات قضائية تُعتبر على نطاق واسع”غير طبيعية”.

يعتبر الناشطون السياسيون، والنقابيون، والمهنيون، وأعضاء لجان المقاومة، إلى جانب المدنيين العاديين، من بين الفئات الأكثر عرضة لهذه الانتهاكات القضائية. كما تواجه النساء والفئات الضعيفة تحديات إضافية، تشمل العنف المبني على النوع الاجتماعي والتمييز.

قضايا تعكس فشل القضاء:

الدر حامد حمدون: حُكم عليها بالإعدام في البداية بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، وكانت قضيتها نموذجًا للمحاكمات المعيبة. وعلى الرغم من أن محكمة الاستئناف ألغت حكم الإعدام الصادر بحقها، إلا أن محنتها سلطت الضوء على دور القضاء في تعزيز القمع المنهجي.

هناء ضو البيين: تم اعتقالها بشكل تعسفي وتعرضت لإجراءات قانونية قاسية، وتظهر قضيتها كيف تواجه النساء طبقات إضافية من الظلم داخل النظام القانوني.

آية مصطفى: تمت إدانتُها في محكمة ابتدائية بناءً على تفسير خاطئ للأدلة المصورة، ولم يتم تبرئتها في الاستئناف إلا بعد ضغوط كبيرة من منظمات حقوق الإنسان. قضيتها تبرز غياب الضمانات الإجرائية واستعداد القضاء للاستجابة للتأثيرات السياسية.

أنماط أوسع للظلم:

وفقًا لرحاب مبارك، المحامية السودانية وعضو مجموعة محامو الطوارئ، فقد حُكم على ما لا يقل عن 250 فردًا، بما في ذلك 16 امرأة، بالإعدام أو السجن المؤبد في الولايات التي يسيطر عليها الجيش. لا يزال العديد من النساء رهن الاعتقال لفترات طويلة دون مسارات واضحة للمحاكمة. على سبيل المثال، يواجه المعتقلون في سجون مثل الدمازين الحبس لفترات طويلة، مما يسلط الضوء على تواطؤ القضاء في انتهاكات حقوق الإنسان.

يواجه المحامون الذين يدافعون عن المعتقلين مخاطر كبيرة، بما في ذلك المضايقات والتهديدات والاعتقالات. وقد جعلت هذه البيئة العدائية تشكيل لجان الدفاع أمرًا محفوفًا بالمخاطر، مما حرم المعتقلين من حقهم في التمثيل القانوني الكفء.

اعتماد القضاء على المحاكم الاستثنائية، إلى جانب حرمان الأفراد من المحاكمات العادلة، يعكس تواطؤه في النظام الأوسع للقمع في السودان. هذه الممارسات تقوض سيادة القانون وتساهم في استمرار دورة الاضطهاد السياسي، والعنف القائم على الجنس، وانتهاكات حقوق الإنسان.

دور المؤسسات القضائية والأمنية:

لقد أدى التواطؤ المستمر بين المؤسسات القضائية والأمنية في السودان، لا سيما جهاز المخابرات العامة (GIS)، إلى تقويض استقلال القضاء بشكل كبير ، مما خلق مناخًا من الخوف والقمع. إن جهاز المخابرات العامة، الذي يُسمى أيضًا جهاز الأمن والمخابرات الوطني (NISS)، وكالة حكومية مسؤولة عن جمع المعلومات الاستخباراتية، والمراقبة، وعمليات الأمن الوطني. يلعب هذا الجهاز دورًا محوريًا في مراقبة المعارضة السياسية، وقمعها، والحفاظ على السيطرة الحكومية. ويشتهر الجهاز بنطاق تأثيره الواسع، حيث يُستخدم لاستهداف الأفراد بناءً على آرائهم السياسية، أو خلفياتهم العرقية، أو انتماءاتهم المناطقية، وغالبًا ما يتم ذلك باستخدام قوانين غامضة ومتلاعبة مثل “قانون الوجوه الغريبة” سيئ السمعة ، الذي يسمح لقوات الأمن باحتجاز الأفراد لمجرد الاشتباه ، مما يؤثر بشكل غير متناسب على مجموعات محددة.

وبدلاً من أن تكون محكماً حيادياً للعدالة، كانت الهيئة القضائية في السودان في كثير من الأحيان شريكة في هذه الانتهاكات. وقد سمحت المحاكم بشكل روتيني للقوات الأمنية بالتحكم في العملية القانونية، مما أدى إلى إصدار الأحكام في بيئة مليئة بالتحيز المنهجي والتلاعب. وتفاقمت هذه الممارسات من خلال استخدام إجراءات قانونية استثنائية وإنكار المحاكمات العادلة. ووفقًا لما ذكرته المحامية السودانية وعضو مجموعة محامو الطوارئ، رحاب مبارك، فإن الأفراد في عدة ولايات، بما في ذلك البحر الأحمر، النيل الأزرق، كسلا، القضارف، النيل الأبيض، الشمالية، ومدينة المناقل في ولاية الجزيرة، ومحلية كرري في الخرطوم، يتعرضون لمحاكمات ذات دوافع سياسية. ونتيجة لذلك، تم إصدار أحكام بالإعدام والسجن المؤبد، دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة أو توفير الدفاع الكافي في كثير من الأحيان.

وتُفرض أحكام بالسجن من 5 إلى 10 سنوات بشكل غير متناسب على الأفراد من هذه المناطق. هذه المناطق، التي طالما اضطهدتها الحكومة المركزية في السودان، يتم تصويرها الآن بشكل خاطئ كمراكز خصبة للتمرد بسبب ارتباطها بقوات الدعم السريع (RSF). وفي الوقت نفسه، يُعاقب الأفراد من شمال السودان الذين يعارضون الحرب أو يعبرون عن آراء مناهضة للحكومة بشكل قاسي. وغالبًا ما يتم إدانتهم بموجب المادتين 50 و51 من القانون الجنائي السوداني لعام 1991، اللتين تعاقبان الأفعال التي تهدف إلى تقويض النظام الدستوري أو اثارة الحرب ضد الدولة. تُستخدم هذه النصوص بشكل متزايد كسلاح لقمع المعارضة، مع استهداف الأفراد بشدة لتحدي سياسات الحكومة أو انتقاد دورها في الصراع المستمر.

إن العلاقة بين السلطة القضائية والقوات الأمنية في السودان تمثل انهيارًا جوهريًا لحكم القانون. فبدلاً من أن تكون مؤسسات مستقلة تدافع عن العدالة، تم تَوجيه السلطة القضائية والأجهزة الأمن لخدمة الأجندة السياسية للحكومة، مما أدى إلى إسكات أي معارضة لسلطتها. لقد ساهم هذا التواطؤ المنهجي إلى استدامة دورة من القمع السياسي، مما عمق من انتهاكات حقوق الإنسان وقلل من الأمل في وجود عملية قضائية نزيهة وشفافة في السودان.

منظورات حقوق الإنسان – المعايير القانونية الدولية :

تقف ممارسات القضاء في السودان في تناقض صارخ مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان المنصوص عليها في أطر مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR). تشكل هذه المعايير العالمية حجر الزاوية لحماية الحقوق الأساسية للإنسان وقد اعتمدتها الأمم المتحدة لتوجيه معاملة الأفراد في جميع البلدان، بما في ذلك السودان. يتضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تحديدًا مجموعة من الأحكام التي تحمي الأفراد من المعاملة القاسية، مثل الحماية من التعذيب، الحق في محاكمة عادلة، ومبدأ افتراض البراءة. هذه الحقوق، التي تعتبر مركزية لمفهوم العدالة، تُنتهك بانتظام من قبل السلطة القضائية في السودان، مما يبرز فجوة كبيرة بين القانون الدولي والممارسات القانونية المحلية.

ووفقاً للمادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ” لا يجوز إخضاعُ أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطَّة بالكرامة. “. تم تصميم هذه المادة لحماية الأفراد من الأذى الجسدي والنفسي أثناء الاستجواب والاحتجاز والسجن. ومع ذلك، فقد تم اتهام السودان مرارًا باستخدام التعذيب وطرق أخرى من المعاملة السيئة ضد المحتجزين، لا سيما الذين تم اعتقالهم بتهم ذات دوافع سياسية. وغالبًا ما يتم تنفيذ هذه الانتهاكات تحت إشراف الأجهزة الأمنية، بما في ذلك جهاز الأمن والمخابرات العامة (GIS)، الذين يستخدمون التعذيب لانتزاع الاعترافات، وترهيب المعارضين، وقمع المعارضة. تتعارض هذه الأفعال مع المبادئ الأساسية لكرامة الإنسان وهي ضد حماية الأفراد من مثل هذه الانتهاكات كما هو منصوص عليه في القانون الدولي لحقوق الإنسان.

وتنص المادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن ” لكلِّ شخص حقُّ اللجوء إلى المحاكم الوطنية المختصَّة لإنصافه الفعلي من أيَّة أعمال تَنتهك الحقوقَ الأساسيةَ التي يمنحها إيَّاه الدستورُ أو القانونُ “.

وتؤكد المادة 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن “لكلِّ إنسان، على قدم المساواة التامة مع الآخرين، الحقُّ في أن تَنظر قضيتَه محكمةٌ مستقلَّةٌ ومحايدةٌ، نظرًا مُنصفًا وعلنيًّا، للفصل في حقوقه والتزاماته وفى أيَّة تهمة جزائية تُوجَّه إليه”. استخدام السودان للمحاكم الاستثنائية، والمحاكمات السياسية، وإنكار التمثيل القانوني العادل للأفراد المتهمين يتناقض بشكل حاد مع هذا المبدأ. وغالبًا ما تُعقد المحاكمات في محاكم مغلقة، دون أن تتاح للمتهمين الفرصة لتقديم دفاع مناسب أو الطعن في الأدلة. وعلاوة على ذلك، يتم إدانة الأفراد بشكل روتيني دون ان يتاح لهم الوصول إلى المحامي المناسب، مما ينتهك حقهم في محاكمة عادلة. إن تواطؤ السلطة القضائية في هذه الانتهاكات، سواء من خلال المشاركة الفعالة أو السكوت عن الإجراءات التي تحركها دوافع سياسية ، يقوض نزاهة النظام القضائي ويُرسخ مناخًا من الظلم.

تنص المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن “كلُّ شخص متَّهم بجريمة يُعتبَر بريئًا إلى أن يثبت ارتكابُه لها قانونًا في محاكمة علنية تكون قد وُفِّرت له فيها جميعُ الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه”. وكثيراً ما يفشل النظام القانوني في السودان في احترام هذا المبدأ.
يتم تقويض افتراض البراءة حين يُحتجز الأفراد إلى أجل غير مسمى دون محاكمة أو عندما تؤثر الدوافع السياسية في القرارات القانونية. في العديد من الحالات، يُعتبر الأفراد الذين يتم اعتقالهم بسبب معارضتهم للحكومة أو انتمائهم إلى مجموعات عرقية معينة مذنبين بالارتباط ، حيث تكون إجراءات محاكمتهم محددة سلفًا قبل أن تُتاح لهم الفرصة لعرض قضيتهم. هذه الممارسات، التي تحرم الأفراد من حقوقهم الأساسية في محاكمة عادلة ونزيهة، تتناقض بشكل مباشر مع المبدأ الأساسي لافتراض البراءة المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

تكشف انتهاكات هذه المبادئ الأساسية- الحماية من التعذيب، الحق في محاكمة عادلة، و وافتراض البراءة- عن مدى فشل النظام القضائي في السودان في التماشي مع الأطر الدولية لحقوق الإنسان. إن الاستمرار في تجاهل هذه المعايير لا يضر بالمتاثرين  من هذه الممارسات فحسب، بل يعكس أيضًا قضايا نظامية أوسع تعرقل تطوير نظام قانوني عادل ومنصف في السودان. إن اعتراف المجتمع الدولي بهذه الانتهاكات، إلى جانب استمرار السودان في خرق حقوق الإنسان، يكشف عن الحاجة الملحة لإصلاحات كبيرة ومساءلة لضمان ايفاء السودان بالالتزامات القانونية التي تعهد بها بموجب القانون الدولي.

التأثير على المحامين والمدافعين:

في كثير من الحالات، يُمنع المعتقلون في السودان من الحصول على المشورة القانونية، ويخضعون لمحاكمات في محاكم استثنائية وغير تقليدية، مما يعزز من تقويض حقهم في محاكمة عادلة. تشير التقارير إلى أن العديد من المعتقلين والنشطاء السياسيين تم اعتقالهم دون توجيه تهم إليهم أو منحهم الفرصة للظهور أمام المحكمة. وغالبًا ما يُحرَم هؤلاء الأفراد من التمثيل القانوني، إلا في حالات الاحتجاز المطول، التي لا تحدث عادة إلا بعد تعرض السلطات لضغوط محلية ودولية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك حالة آية مصطفى، التي تمكنت من الحصول على تمثيل قانوني بعد فترة طويلة من الاحتجاز.حيث تمكن محاميها من تحقيق براءتها في محكمة الاستئناف، مما يبرز الصعوبات التي يواجهها المعتقلون في الحصول على دفاع قانوني ملائم.

في الثاني من أكتوبر 2024، أصدرت تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية (تقدّم) بيانًا بشأن تورط النيابة العامة في بورتسودان في شرعنة الاعتقالات التعسفية والتستر على انتهاكات حقوق الإنسان. وتعهدت التنسيقية في بيانها بأنها ستظل متيقظة لأي إجراءات تنتهك حقوق الأستاذ منتصر وجميع الذين تعرضوا للانتهاكات على يد الأجهزة الأمنية.

يُوضح لنا هذا صعوبة حصول المتهمين على محامين أو حتى تمثيل قانوني، حيث يتعرض المحامون أنفسهم للاعتقال عند دفاعهم عن المتهمين في ظل هذا الوضع المعقد، كما كان الحال مع الأستاذ منتصر عبد الله، الذي تم اعتقاله من قبل الأجهزة الأمنية في بورتسودان في يوم 7 سبتمبر 2024، بعد تقديمه طلبًا قانونيًا للوصول إلى التحقيق اليومي المتعلق بالشكاوى المقدمة ضد الدكتور حمدوك وعدد من النشطاء الآخرين.

ويزيد الوضع الأمني الراهن في السودان من تعقيد هذه التحديات، خاصة بالنسبة للمحامين الذين يواجهون مخاطر متزايدة على سلامتهم المهنية والشخصية. وكثيراً ما يتعرض المحامون الذين يدافعون عن المعتقلين في القضايا السياسية الحساسة أو انتهاكات حقوق الإنسان للتهديدات والمضايقات أو الاعتقال. لقد جعل المناخ السياسي، إلى جانب البيئة القانونية المعادية، تشكيل لجان الدفاع لحماية حقوق المعتقلين أمرًا أكثر خطورة. هذه اللجان، التي تعد حاسمة في تقديم الدعم القانوني للمعتقلين، تواجه خطر القمع الحكومي المستمر، حيث يواجه أعضاؤها احتمال السجن أو اتخاذ إجراءات انتقامية أخرى ضدهم.

إن المهددات الأمنية التي يتعرض لها الممارسون القانونيون تعيق بشكل كبير قدرتهم على أداء عملهم بفعالية، مما يحرم المعتقلين من الوصول إلى تمثيل قانوني مؤهل. إن بيئة الخوف هذه لا تقوض سيادة القانون فحسب، بل تضع أيضًا ضغطًا كبيرًا على النظام القضائي الهش أصلًا ، حيث انه كثيىراً ما تصبح العدالة والمساواة أمرًا ثانويًا امام الاعتبارات السياسية. لقد أصبح دور المجتمع الدولي في دعم المحامين السودانيين والمدافعين عن حقوق الإنسان أكثر أهمية من أي وقت مضى، حيث يواصلون المخاطرة بحياتهم في جهودهم لضمان العدالة في بيئة تزداد قمعًا.

وفيات أثناء الاحتجاز:

تعكس حالات الوفيات المروعة أثناء الاحتجاز مدى الوحشية واللاإنسانية لممارسات الاحتجاز في السودان، والتي لها عواقب مدمرة على المجتمعات والأسر. حيث تكشف هذه الوقائع عن استخدام النظام للتعذيب والإهمال والقتل خارج نطاق القضاء كأدوات للقمع.

ففي منطقة الكدرو، توفي رضوان صالح رضوان بعد تعرضه للتعذيب لفترات طويلة في مركز احتجاز تديره القوات المسلحة داخل معسكر سلاح الاسلحة. وعلمت أسرته بوفاته في 23 نوفمبر 2023، بعد أن كانت تجهل حالته أو مكانه. تسلط هذه الواقعة الضوء على الانتهاكات المستمرة وغياب المساءلة داخل مرافق الاحتجاز السودانية.

على نفس النحو، قُتل أبشر آدم أبشر، زعيم مجتمعي بارز واحد رجالات الادارة الأهلية بمنطقة الرماش، تحت التعذيب باحدى مراكز الاحتجازالتابعة للجيش في مدينة سنجة. تم اعتقاله بناءً على اتهامات لا أساس لها بالتعاون مع قوات الدعم السريع وهي ظاهرة شائعة في النظام القضائي السوداني. إن فقدان شخصيات مجتمعية محترمة مثل أبشريسبب حزن عميق واضطراب كبير، حيث تواجه الأسر والمجتمعات الظلم وغياب سبل العدالة.

تمثل هذه الوفيات في أماكن الاحتجاز المشكلة الأكبر المتعلقة بنهج السودان القمعي تجاه المعارضين، حيث يُقتل الأفراد-غالباً النشطاء، والمحامون، والمواطنون العاديون-وهم رهن الاحتجاز، دون أي محاكمة عادلة. ولا تقتصر هذه الوفيات على تدمير العائلات فحسب، بل تسهم أيضاً في تعميق مناخ الخوف وفقدان الثقة في السلطات، مما يضعف شرعية الدولة السودانية

التوصيات:

1. الإصلاح والاستقلال القضائي:

o تعزيز استقلالية القضاء من خلال ضمان تعيين القضاة بناءً على الكفاءة وليس الانتماءات السياسية.

o إنشاء هيئة إشرافية مستقلة لمراقبة أعمال كل من السلطة القضائية والأجهزة الأمنية، وضمان المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان.

2. إنهاء الاحتجاز التعسفي والتعذيب:

  • اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف ممارسات الاعتقال التعسفي والتعذيب، وضمان حق جميع المعتقلين في محاكمة عادلة ضمن فترة زمنية معقولة.
  • إجراء إصلاحات قانونية لتوفير حماية أفضل ضد الحبس الانفرادي، والاعترافات القسرية، وغيرها من أشكال سوء المعاملة.

3. حق الوصول إلى التمثيل القانوني:

  • ضمان حق جميع المعتقلين في الحصول على المشورة القانونية، خصوصاً أولئك الذين يواجهون تهمًا ذات طابع سياسي، وضمان قدرة المحامين على العمل دون الخوف من المضايقة أو الانتقام.
  • توفير التدريب والحماية لمحاميي ومدافعي حقوق الإنسان، وتمكينهم من مواصلة عملهم الحيوي في تعزيز العدالة.

4. التعليم والتوعية بحقوق الإنسان:

  • إطلاق برامج وطنية لزيادة الوعي بحقوق الإنسان، وأهمية العدالة القضائية، وحق الحصول على التمثيل القانوني.
  • دعم منظمات المجتمع المدني والمدافعين عن حقوق الإنسان في جهودهم لمحاسبة الحكومة على الانتهاكات.

5. الدعم والمراقبة الدولية:

  • تشجيع المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة والهيئات الإقليمية لحقوق الإنسان، على مراقبة الوضع في السودان وتقديم المساعدة الفنية للإصلاحات القضائية.
  • ضمان تطبيق العقوبات الدولية والضغوط الدبلوماسية لإجبار الحكومة السودانية على احترام المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

6. عمليات الحقيقة والمصالحة:

  • إنشاء آليات للعدالة والمصالحة تعالج الانتهاكات التاريخية في السودان، مع ضمان حصول الضحايا وعائلاتهم على العدالة والتعويضات.
  • تيسير الحوار بين الحكومة وجماعات المعارضة والمجتمع المدني لتعزيز السلام والوحدة الوطنية وإعادة بناء النسيج الاجتماعي في السودان.

من خلال تنفيذ هذه التوصيات، يمكن للسودان بدء ع

نشر في وسائل التواصل الاجتماعي

المحتوى المشابه

النهب تحت تهديد السلاح: توثيق الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان في ولاية الخرطوم، السودان

ملخص تنفيذي: يتناول هذا التقرير أحد الجوانب الهامة في الصراع المستمر في السودان، وهو النهب المنهجي لمنازل المدنيين وممتلكاتهم في ولاية الخرطوم تحت تهديد السلاح. فمنذ اندلاع أالحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات

عرض المزيد

أصوات المهمشين: نضال مجتمعات الكنابي في السودان

الملخص التنفيذي: أجرى التحالف السوداني للحقوق بحثًا شاملاً وموضوعيًا، حيث تواصل مع شهود عيان وقام بتحليل مجموعة من الانتهاكات والفظائع التي تم توثيقها ضد مجتمعات الكنابي في السودان. يركز هذا التقرير، بعنوان ”

عرض المزيد

الكومة تحت النار: تقرير شامل عن الغارات الجوية والانتهاكات الإنسانية والأزمة المستمرة في شمال دارفور

ملخص تنفيذي:- يتناول هذا التقرير الأثر المدمر للحرب المستمرة في السودان، مع التركيزعلى القصف الجوي الذي تعرضت له مدينة الكومة في شمال دارفور. وقد أسفر الصراع الذي بدأ في 15 أبريل 2023 بين

عرض المزيد