مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتفاقم الأزمة الإنسانية وأزمة حقوق الإنسان بصورة متصاعدة، في ظل استمرار تدمير حياة الملايين وتمزيق النسيج الاجتماعي السوداني.
ما بدأ في أبريل 2023 تحول إلى واحدة من أشد الأزمات في العالم اليوم. فقد تم تهجير أكثر من 10 ملايين شخص، أكثر من نصفهم من الأطفال. كما فقد عشرات الآلاف حياتهم. ودُمّرت مجتمعات بأكملها. ويحتاج ما يقارب 25 مليون شخص، أي أكثر من نصف سكان السودان، إلى مساعدات إنسانية عاجلة. كما بدأت ظروف المجاعة في الظهور في عدة مناطق، بينما تعطلت بشدة أو انقطعت تمامًا إمكانية الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والمياه النظيفة.
لا يزال المدنيون يتحملون العبء الأكبر لهذه الحرب. فقد أصبحت الهجمات العشوائية، وتدمير المنازل والمستشفيات والبنية التحتية الأساسية، والقيود الشديدة على الوصول الإنساني، سمات رئيسية للنزاع. كما تتآكل الروابط الاجتماعية التي كانت تجمع المجتمعات، في ظل تنامي الخوف والصدمات والانقسام.
نحن، التحالف السوداني للحقوق، نتوجه بهذه الرسالة إلى جميع المشاركين في مؤتمر برلين: أعضاء الرباعية الدولية بشأن السودان، المكوّنة من الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وجمهورية مصر العربية، وبالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، إضافة إلى وكالات الأمم المتحدة، والتكتلات الإقليمية، والدول، ومجموعة واسعة من منظمات المجتمع المدني السوداني، والحركات النسوية والشبابية، والفاعلين الإنسانيين الذين يواصلون عملهم في ظروف بالغة الصعوبة. سيجتمع جميع الحاضرين في غرفة يمكن أن تحدد بشكل حاسم مستقبل السودان، داعين إلى قيادة متجددة ومنسقة وشجاعة.
نُثمّن ونرحّب بالالتزام المستمر بتقديم المساعدات الإنسانية، خاصة في وقت تتغير فيه الأولويات العالمية وتقوم بعض الدول بتقليص تمويلها. وتظل المساعدات الإنسانية ضرورية لإنقاذ الأرواح في أقسى الظروف، غير أنها لا تكفي وحدها لإنهاء معاناة الشعب السوداني.
فمن دون وقف فوري ومستدام لإطلاق النار، ستظل المساعدات الإنسانية محدودة وغير كافية. فهي لن تستطيع الوصول إلى المحاصرين في مناطق القتال النشطة، ولن تتمكن من إعادة إعمار ما يُدمَّر باستمرار، ولن تستعيد الكرامة الإنسانية في ظل استمرار العنف.
إن وقف إطلاق النار ليس ضرورة فحسب، بل هو أمر عاجل. وهو الأساس الذي يجب أن تُبنى عليه جميع الجهود الأخرى. فبإسكات صوت البنادق فقط يمكن ضمان وصول المساعدات الإنسانية، وبدء المجتمعات في إعادة البناء، والنظر في عودة الأسر النازحة إلى ديارها. إن الشعب السوداني، رغم محدودية الموارد، يمتلك القدرة على بدء التعافي، لكنه لا يستطيع ذلك في ظل استمرار العنف.
وعليه، ندعو جميع الأطراف المشاركة في برلين إلى تجاوز التصريحات واتخاذ خطوات حاسمة لضمان وقف فوري للأعمال العدائية. كما ينبغي توظيف النفوذ الدولي والإقليمي بشكل جماعي ومتسق للضغط على جميع الأطراف المتحاربة نحو السلام، مع ضمان أن تبقى حماية المدنيين ومساءلة مرتكبي الانتهاكات محورًا أساسيًا في كل الجهود.
وفي الوقت نفسه، نوجه رسالة إلى جميع مكونات المجتمع المدني السوداني المشاركة في المؤتمر. إن هذه اللحظة تتطلب وحدة الهدف. وندعو جميع الفاعلين في المجتمع المدني إلى تجاوز الخلافات الأيديولوجية، والتنافس المؤسسي، والمصالح الفردية. إن السعي وراء الاعتراف أو التموضع أو النفوذ يجب ألا يعلو على الحاجة الملحة إلى السلام. لقد ظل المجتمع المدني قوة مؤثرة للتغيير في السودان، وهو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مدعو للاضطلاع بمسؤوليته في بناء الجسور، وتعزيز الحوار، والمساهمة الفاعلة في جهود السلام التي تضع رفاه الشعب السوداني في المقام الأول.
كما نوجه رسالة واضحة إلى أطراف النزاع: إن استمرار هذه الحرب أمر لا يمكن تبريره، إذ يتحمل المدنيون وحدهم كلفة الحرب بشكل شبه كامل. وكل يوم يستمر فيه القتال يعني إزهاق مزيد من الأرواح، وتهجير المزيد من العائلات، وتعريض مستقبل جيل كامل للخطر. إن الشعب السوداني يستحق السلام والكرامة وفرصة إعادة بناء بلاده.
وأخيراً، ندعو جميع السودانيين، داخل البلاد وفي المهجر، إلى رفض ومقاومة خطاب الكراهية والتحريض والانقسام. للكلمات قوة، وفي أوقات النزاع يمكنها أن تُعمّق الجراح أو تُسهم في شفائها. إن انتشار الخطاب الضار لا يؤدي إلا إلى تأجيج العنف وإطالة أمد المعاناة. إنها لحظة لاختيار الوحدة على الانقسام، والتعاطف على الغضب، والتعافي الجماعي على التفكك.
وأنتم تجتمعون في برلين، نحثكم على النظر ليس فقط إلى حجم الأزمة، بل إلى مدى إلحاح الاستجابة المطلوبة. لا يستطيع السودان تحمّل عام آخر من الحرب، فقد عانى شعبه بما فيه الكفاية.
إن طريق السلام لا يزال ممكناً، لكنه يتطلب عملاً جريئاً وموحداً وفورياً.
التحالف السوداني للحقوق
14/04/2026