مقدمة من:
التحالف السوداني للحقوق
التاريخ:
15 أبريل 2026
بمناسبة مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان، يتقدم التحالف السوداني للحقوق بهذه المذكرة إلى اللجنة الإفريقية للخبراء المعنية بحقوق الطفل ورفاهيته بشأن الانتهاكات الواسعة والخطيرة والمستمرة لحقوق الأطفال بموجب الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته.
بعد ثلاث سنوات، لم يعد أطفال السودان مجرد عالقين في النزاع، بل يُستهلكون فيه.
اليوم، يحتاج أكثر من 15 مليون طفل إلى مساعدات إنسانية عاجلة، فيما لا يزال ملايين آخرون متأثرين بشكل مباشر بالعنف والنزوح والحرمان.
قُتل أو شُوه ما لا يقل عن 4,300 طفل، بينما حُرم أكثر من 8 ملايين طفل من حقهم في التعليم، وقد توقفت مسارات مستقبلهم إلى أجل غير مسمى، في انتهاك واضح لحقوقهم في الحياة والبقاء والنماء (المادة 5 من الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته) والتعليم (المادة 11 من الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته).
غير أن ما وراء هذه الأرقام يكشف واقعاً أعمق وأكثر إثارة للقلق.
الأطفال في السودان يتزايد تجنيدهم واستخدامهم في النزاع المسلح، في انتهاك مباشر للمادة 22 من الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته، التي تُلزم الدول الأطراف بضمان عدم مشاركة أي طفل بشكل مباشر في الأعمال العدائية. ورغم صعوبة التحقق من الأرقام الدقيقة، تؤكد تقارير موثوقة أن أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم 14 عاماً يتم تجنيدهم وتدريبهم وإرسالهم إلى خطوط المواجهة، غالباً دون تدريب كافٍ أو أي تدريب يُذكر، ليُحوَّلوا فعلياً إلى أدوات حرب. كما يتم اختطاف آخرين أو إكراههم أو استدراجهم للانضمام إلى جماعات مسلحة، حيث يُستخدمون ليس فقط كمقاتلين، بل أيضاً كحمّالين ومخبرين، وفي بعض الحالات يتعرضون للعنف الجنسي، في انتهاك لحقوقهم في الحماية من سوء المعاملة والاستغلال بموجب المادتين 16 و27 من الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته.
إضافة إلى ذلك، يتعرض الأطفال بشكل متزايد للقتل والتشويه نتيجة الضربات الجوية والطائرات المسيّرة والقصف العشوائي والمتكرر للمناطق المدنية، بما في ذلك المنازل والأسواق والمدارس ومواقع النزوح، مما يزيد من تعرضهم للموت والإصابة والصدمات النفسية مدى الحياة.
وهذا ليس أمراً عرضياً، بل يُعد من أخطر انتهاكات حقوق الأطفال في سياقات النزاع المسلح.
وفي الوقت ذاته، يُقتل أطفال السودان بصمت بسبب الجوع والمرض.
يواجه نحو 29 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، ويُعد الأطفال من أكثر الفئات تضرراً، حيث يعيش العديد منهم على وجبة واحدة يومياً أو أقل.
ويُقدّر أن نحو مليون طفل يعانون من سوء التغذية الحاد، من بينهم مئات الآلاف يواجهون سوء تغذية حاد وخطير يهدد حياتهم، مما يقوض حقهم في البقاء والنماء بموجب المادة 5 من الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته.
كما تتفشى الأمراض بسرعة في بلد انهار فيه النظام الصحي إلى حد كبير، في انتهاك للمادة 14 من الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته، التي تكفل الحق في الصحة والخدمات الصحية. وتتزايد حالات تفشي الكوليرا والحصبة والملاريا وحمى الضنك، لا سيما في مخيمات النزوح المكتظة التي انهارت فيها أنظمة الصرف الصحي.
وفي إقليم دارفور، تبدو الأوضاع أكثر مأساوية، حيث يواجه الإقليم تداخلاً قاتلاً بين المجاعة والمرض والعنف. وقد تفاقم انتشار الكوليرا وغيرها من الأمراض المنقولة عبر المياه في ظل نقص المياه النظيفة وانهيار الخدمات الصحية واستمرار الهجمات على المرافق الطبية. ويُعد الأطفال، الذين أنهكهم الجوع أصلًا، الأكثر عرضة للخطر، حيث يموت العديد منهم بسبب أمراض يمكن الوقاية منها أو علاجها، ببساطة لأن الرعاية لم تعد متاحة.
هذه حرب تُخاض على أجساد الأطفال بالرصاص والجوع والمرض والإهمال.
لقد دُمّرت أنظمة الرعاية الصحية، حيث أُتلفت المستشفيات أو أصبحت غير صالحة للعمل. وتعرضت المدارس للهجوم أو الاحتلال أو تحولت إلى ملاجئ. كما انهارت أنظمة الحماية، تاركة الأطفال عرضة للعنف والاستغلال والصدمات النفسية التي ستستمر آثارها إلى ما بعد انتهاء هذه الحرب. كما تم تهجير ملايين الأطفال قسراً، في انتهاك للمادة 23 من الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته ، وغالباً ما تكرر نزوحهم عدة مرات، وهم يعيشون الآن في ظروف محفوفة بالمخاطر وغير آمنة.
لم تعد سبل الانتصاف المحلية متاحة بأي معنى حقيقي. فقد انهارت المؤسسات، وتعرقل الوصول إلى العدالة، وغابت المساءلة.
ويُقرّ التحالف السوداني للحقوق بالخطوات المهمة التي اتخذتها بالفعل اللجنة الإفريقية للخبراء المعنية بحقوق الطفل ورفاهيته في الاستجابة للوضع في السودان، بما في ذلك بيانها العلني الصادر في عام 2023 بشأن النزاع، وتوصياتها ومشاركاتها السابقة بشأن حماية الأطفال المتأثرين بالنزاع المسلح في السودان. وقد عكست هذه التدخلات إدراكاً في الوقت المناسب لخطورة الأزمة، وأعادت التأكيد على الولاية الحمائية الحاسمة للجنة بموجب الميثاق الأفريقي لحقوق الطفل ورفاهيته.
ومع ذلك، ونظراً لحجم الانتهاكات واستمرارها وتفاقمها خلال السنوات الثلاث الماضية، يُعرب التحالف السوداني للحقوق عن قلقه من أنه لم يتم حتى الآن إجراء تحقيق شامل مستقل أو إصدار تقرير لتقصي الحقائق يتناول بشكل محدد المرحلة الراهنة من النزاع وتأثيرها على الأطفال، على الأقل في المجال العام. ويؤكد غياب مثل هذا التقييم المنهجي والمخصص الحاجة الملحّة إلى تعزيز الانخراط لضمان توثيق وفهم واقع الأطفال في السودان بشكل كامل واتخاذ الإجراءات اللازمة حياله.
وعليه، فإن هذه المذكرة ليست مجرد عرض قانوني، بل هي أيضاً نداء أخلاقي عاجل.
نداء من أجل جيل لم يعرف سوى الحرب طوال ثلاث سنوات.
نداء من أجل أطفال يُجبرون على القتال، ويُجبرون على الفرار، ويُجبرون على البقاء في ظروف لا ينبغي لأي طفل أن يتحملها.
ويدعو التحالف السوداني للحقوق اللجنة الإفريقية للخبراء المعنية بحقوق الطفل ورفاهيته إلى التحرك العاجل بما يضمن إدراك حجم هذه الانتهاكات، وفتح تحقيقات، بما في ذلك بعثات لتقصي الحقائق، واستخدام كامل ولايتها لحماية أطفال السودان. كما يحث اللجنة على الدعوة إلى وقف فوري ومستدام لإطلاق النار، وإنهاء تجنيد الأطفال واستخدامهم كجنود، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، إلى جانب العمل على استعادة الخدمات الأساسية وضمان المساءلة عن الانتهاكات.
لأنه إذا استمر هذا الوضع، فإن السودان لن يخسر الأرواح فحسب، بل سيخسر مستقبله أيضاً.
التحالف السوداني للحقوق