يدين التحالف السوداني للحقوق بشدة الغارات التي نُفِّذت بطائرات مُسيّرة والقصف المدفعي الذي استهدف المعدّنين التقليديين عن الذهب في منطقتي الأنصاري والعُقيدات للتعدين بولاية نهر النيل، بالقرب من الحدود السودانية المصرية، يوم الثلاثاء الموافق 16 يونيو 2026.
ووفقاً للمعلومات التي تلقاها التحالف من مصادره المحلية، أسفر الهجوم عن مقتل عدد من المعدّنين وإصابة العشرات. ولا يزال العدد الدقيق للضحايا غير معروف في الوقت الراهن بسبب استمرار انعدام الأمن في المنطقة والصعوبات التي تواجهها فرق الإنقاذ في الوصول إلى المواقع المتضررة. وتشير التقارير كذلك إلى أن العديد من المعدّنين اضطروا إلى الفرار نحو المناطق الجبلية المجاورة، فيما قد يكون بعض الضحايا لا يزالون عالقين داخل آبار التعدين نتيجة للهجوم. كما تفيد التقارير بأن مركبات كانت تحاول إجلاء المدنيين من المنطقة المتضررة تعرضت أيضاً للاستهداف أثناء القصف.
ويعرب التحالف السوداني للحقوق عن بالغ قلقه إزاء التقارير التي تفيد بأن الهجوم نُفِّذ بواسطة طائرات مُسيّرة عسكرية مصرية. وفي حين لا تزال التحقيقات جارية بشأن ملابسات الحادثة، فإن الخسائر المبلّغ عنها في أرواح المدنيين وحجم الأضرار التي لحقت بمجتمعات التعدين تستدعي اهتماماً عاجلاً وتدقيقاً مستقلاً.
ولا يُعد هذا الهجوم حادثةً معزولة. فمنذ اندلاع النزاع المسلح في السودان في أبريل 2023، أصبحت مناطق تعدين الذهب تتأثر بصورة متزايدة بالعمليات العسكرية والقصف الجوي والهجمات بالطائرات المُسيّرة المرتبطة بالديناميات الأوسع للنزاع والتنافس على الموارد الاستراتيجية. وقد أسفرت عدة هجمات استهدفت مواقع التعدين التقليدي في دارفور وأجزاء أخرى من السودان عن سقوط ضحايا مدنيين في صفوف المعدّنين والمجتمعات المحلية المحيطة. وعليه، يبدو أن هجوم 16 يونيو/حزيران 2026 يشكل جزءاً من نمط مقلق تتزايد فيه تعرضات المواقع الاقتصادية المدنية ومصادر كسب العيش لآثار الأعمال العدائية، مخلفاً عواقب مدمرة على السكان المدنيين.
وسيُطلق التحالف السوداني للحقوق تحقيقاً مستقلاً بشأن الهجوم المبلّغ عنه وآثاره على مجتمعات التعدين المدنية. ومن خلال العمل بصورة وثيقة مع المصادر المحلية والمجتمعات المتضررة والكوادر الطبية وغيرهم من الجهات المعنية، سيسعى التحالف إلى التحقق من العدد الدقيق للقتلى والجرحى، وتوثيق ملابسات الحادثة، والحفاظ على الأدلة التي قد تسهم في جهود المساءلة مستقبلاً. كما سيقوم بنشر نتائج محدثة كلما توفرت معلومات إضافية.
ويثير الهجوم مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الإنساني. فمبدأ التمييز، المنصوص عليه في المادة (48) من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف والمعترف به في إطار القانون الدولي الإنساني العرفي، يفرض على أطراف النزاع التمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية. كما تحظر المادة (51/2) من البروتوكول الإضافي الأول الهجمات الموجهة ضد المدنيين، في حين تؤكد القاعدة الأولى من دراسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن القانون الدولي الإنساني العرفي التزام أطراف النزاع بالتمييز بين المدنيين والمقاتلين.
ويتمتع المعدّنون التقليديون ومواقع التعدين المستخدمة للأغراض المدنية بالحماية بموجب القانون الدولي الإنساني، ما لم تُستخدم وللمدة التي تُستخدم فيها لأغراض عسكرية. وعليه، فإن التقارير التي تشير إلى مقتل وإصابة معدّنين أثناء ممارستهم لسبل كسب عيشهم تثير مخاوف جدية بشأن الامتثال للالتزام بحماية المدنيين من آثار الأعمال العدائية.
وعلاوة على ذلك، فإذا كانت الأضرار المتوقعة على المدنيين مفرطة مقارنة بأي ميزة عسكرية متوقعة، فإن الهجوم يشكل انتهاكاً لمبدأ التناسب المنصوص عليه في المادة (51/5/ب) من البروتوكول الإضافي الأول والقانون الدولي الإنساني العرفي. كما أن التقارير التي تفيد بتعرض مدنيين كانوا يحاولون الفرار من المنطقة، ومركبات استُخدمت في عمليات الإجلاء، للاستهداف أيضاً، تثير مخاوف إضافية بشأن الامتثال للالتزام باتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لحماية المدنيين، وفقاً لما تنص عليه المادة (57) من البروتوكول الإضافي الأول. وإذا أثبتت التحقيقات أن الهجوم كان موجهاً عمداً ضد مدنيين أو أعيان مدنية، فقد يكون المسؤولون عنه قد ارتكبوا انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني قد ترقى إلى جرائم حرب بموجب المادة (8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
وفي ضوء خطورة هذه الادعاءات، يدعو التحالف السوداني للحقوق حكومة جمهورية مصر العربية إلى توضيح دورها، إن وجد، في الهجوم بصورة علنية، والتعاون الكامل مع أي تحقيق مستقل ومحايد في الحادثة.
كما يدعو التحالف بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان إلى إجراء تحقيق عاجل في الهجوم، وتقصي الحقائق المحيطة بالحادثة، وتحديد المسؤولين عنها، وإدراج نتائجها ضمن تقاريرها المقدمة إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
ويدعو كذلك مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى متابعة التطورات عن كثب، ودعم الجهود الرامية إلى توثيق الانتهاكات الناجمة عن الهجوم، وضمان حفظ الأدلة من أجل عمليات المساءلة المستقبلية.
كما يدعو التحالف اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، ولا سيما المقرر الخاص المعني بالمدافعين عن حقوق الإنسان ونقطة الاتصال المعنية بالأعمال الانتقامية في أفريقيا، والمقرر الخاص المعني بالسجون وأوضاع الاحتجاز وأعمال الشرطة في أفريقيا، إلى التفاعل مع هذه القضية وحث جميع الأطراف على احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.
وأخيراً، يدعو التحالف مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، والمجتمع الدولي الأوسع، إلى اتخاذ تدابير عاجلة لمنع وقوع مزيد من الهجمات على المدنيين والبنية التحتية المدنية، ودعم جهود المساءلة المستقلة عن الانتهاكات المرتكبة في سياق النزاع في السودان.
ويؤكد التحالف السوداني للحقوق مجدداً أنه يجب عدم استهداف المدنيين تحت أي ظرف من الظروف، وأنه يتعين على جميع الأطراف الامتثال الكامل لالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني. كما أن استمرار تعريض المجتمعات المدنية ومواقع كسب العيش للهجمات العسكرية يؤدي إلى تعميق الأزمة الإنسانية ويقوض آفاق السلام والأمن والعدالة في السودان.
التحالف السوداني للحقوق
18 يونيو 2026

