يدين التحالف السوداني للحقوق بشدة الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري الذي تعرض له خالد بحيري، الكاتب والمؤرخ والقيادي المجتمعي البارز البالغ من العمر 70 عامًا، والذي تم اقتياده من منزله في مدينة ود مدني بولاية الجزيرة يوم 14 يناير 2025 على يد السلطات الأمنية.
ورغم النزاع المسلح الدائر وسيطرة قوات الدعم السريع على مدينة ود مدني، اختار السيد بحيري البقاء في مدينته وعدم مغادرتها، حيث كرس نفسه لخدمة مجتمعه من خلال نصب خيمة إسعافات طبية أمام منزله، وإطلاق مبادرة ” مدني تشرب” لتوفير المياه النظيفة للسكان الذين يعانون من شح المياه. كانت هذه مبادرات إنسانية بحتة نابعة من حسّ مدني ومسؤولية اجتماعية، وليست تعبيرًا عن أي انتماء سياسي.
يُعرف السيد بحيري على نطاق واسع بدفاعه المستمر عن حقوق العمال والمزارعين والفئات المهمشة، كما كان ناشطًا في الاحتجاجات السلمية ضد نظام عمر البشير، وضد الانقلاب العسكري الذي وقع في عام 2021. ولم تتزعزع يوماً التزاماته بالعدالة والكرامة لجميع السودانيين.
في 14 يناير 2025، داهمت قوات الأمن منزله واعتقلته تعسفياً دون مذكرة توقيف أو مبرر قانوني أو إجراءات قضائية. ومنذ ذلك الحين، يُحتجز بمعزل عن العالم الخارجي في مكان غير معلوم، دون السماح له بالاتصال بمحامٍ أو بأسرته، وهو ما يشكل اختفاءً قسريًا وفقًا للقانون الدولي.
وقد علمت عائلته لاحقًا، عبر مصادر غير رسمية، أن حالته الصحية قد تدهورت، مما استدعى نقله إلى مستشفى المناقل في 10 أكتوبر 2025، حيث ظل هناك تحت الحراسة لمدة خمسة أيام قبل إعادته إلى مكان غير معلوم. وحتى تاريخه، لم تُوجَّه إليه أي تهم رسمية.
أفادت التقارير أن أحد الضباط اتهم السيد بحيري زورًا بالتعاون مع قوات الدعم السريع، وهو ادعاء لا أساس له رفضه سكان ود مدني بشدة، مؤكدين أن جهوده خلال النزاع كانت إنسانية خالصة، دون ارتباط بأي جماعة مسلحة. ويُعد اعتقاله استهدافًا سياسيًا واضحًا بسبب نشاطه المدني السلمي ومعارضته العلنية للحكم العسكري.
يشكل هذا الاحتجاز غير القانوني، واستمرار إخفاء مكان وجود السيد بحيري، انتهاكًا واضحًا للقانون الوطني السوداني، بما في ذلك أحكام الدستور الانتقالي التي تكفل الحرية الشخصية، والحماية من الاعتقال التعسفي، والحق في التمثيل القانوني، والحصول على محاكمة عادلة. إن اعتقاله دون مذكرة توقيف وحرمانه من التواصل مع محاميه وعائلته يمثل انتهاكًا صارخًا لتلك الحقوق والضمانات.
إقليميًا، تُعد هذه القضية خرقًا واضحًا لالتزامات السودان بموجب الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الذي يعد السودان طرفًا فيه. تكفل المادة 6 الحق في الحرية والأمن الشخصي، في حين تكفل المادة 7 الحق في المثول أمام محكمة مختصة، وقرينة البراءة، والحق في الدفاع القانوني. إن احتجاز السيد بحيري دون توجيه تهم أو محاكمة يُشكّل انتهاكًا مباشرًا لتلك الالتزامات من قبل السلطات السودانية.
وعلى الصعيد الدولي، يُعد اعتقال واختفاء السيد بحيري انتهاكًا لالتزامات السودان بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تحظر المادة 9 منه الاعتقال التعسفي وتلزم بإبلاغ المعتقل فورًا بالتهم الموجهة إليه، بينما تكفل المادة 14 الحق في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مستقلة، والحق في التمثيل القانوني.
كما يُعد هذا الفعل انتهاكًا لمبادئ إعلان الأمم المتحدة بشأن حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، والذي يؤكد على حق الأفراد في الدفاع عن حقوق الإنسان دون خوف من الانتقام. ورغم أن السودان لم يصادق على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، إلا أن ما حدث يشكل انتهاكًا لأعراف القانون الدولي المتعارف عليها والملزمة.
يطالب التحالف السوداني للحقوق بالإفراج الفوري وغير المشروط عن خالد بحيري، مع الكشف الكامل عن مكان احتجازه الحالي، والسماح له بشكل عاجل بالتواصل مع أسرته ومحاميه، وتوفير الرعاية الطبية الملائمة. كما يطالب بفتح تحقيق مستقل وشفاف في ملابسات اعتقاله وحالته الصحية والانتهاكات التي تعرض لها أثناء الاحتجاز.
وندعو كذلك جميع الهيئات الوطنية والإقليمية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، بما في ذلك اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، والفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي التابع للأمم المتحدة، والمقرر الخاص المعني بالمدافعين عن حقوق الإنسان، إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لضمان إطلاق سراحه، ومنع أي أعمال انتقامية أخرى تستهدف النشطاء السلميين في السودان.
إن شجاعة خالد بحيري تكمن في إنسانيته. ونشاطه هو إرثه. أما حريته، فهي مطلبنا.
التحالف السوداني للحقوق- 20 يونيو 2025

